لا مؤامرات في برامج السخرية السياسية

أنتشرت صورة للسيد مقتدى الصدر خلال زيارته الأخيرة الى المملكة الأردنية الهاشمية، يقف الى جانبه أحمد البشير، مقدم البرنامج السياسي الساخر “البشير شو” والمعروف عند جمهوره الواسع بين العراقيين بـ “رئيس جمهورية البشير”، هذا البرنامج الذي يتابعه ملايين العراقيين، بكل خلفياتهم الثقافية والاجتماعية، جهراً وسراً.

على الرغم من تحفظي الشخصي على بعض طروحات أحمد البشير، لكنني لا أخفي إعجابي بكفاءته الفنية كما لا أشك بروحه الوطنية، ومتابع نهم لجميع حلقاته التي تختصر لي المشهد السياسي العراقي بأسلوب فكاهي قل نظيره، لا لأبني على مادته موقفاً أو رؤية علمية، بل لأقرأ من خلاله كيف يُترجم الشباب الأحداث الراهنة، خصوصاً أن جلّ المشاهد الكوميدية هي من طلبات شريحة الشباب ومشاركاتهم التي يرسلونها لبرنامج البشير.علماً أن أغلب المتابعين هم من وسط وجنوب العراق، حيث يتجاوز عدد المشاهدات لكل حلقة نصف مليون من محافظة البصرة، ومئات الآلاف من محافظة كربلاء، وهكذا.
التحدي الذي واجهه برنامج “البشير شو” أنه قدم نموذجاً مُصغراً لإطروحات لا محل لها في مجتمعاتنا المحافظة، نوعاً ما، والتي ما زالت تحاول جاهدةً فهم الديمقراطية فضلاً عن تطبيقها. ولعل أقرب محاولة إقليمية كانت في جمهورية مصر العربية التي قادها الفنان باسم يوسف في برنامج “البرنامج” الذي اكتسح العالم العربي وليس مصر فحسب، في فترة حرجة من تأريخ مصر السياسي، حيث كان لمواده الإعلامية أثرها البالغ في نقد الأحداث السياسية بصورة ساخرة، تقبلها المدني ورفضها الإسلامي، وعادت بعواقبها المؤلمة على مقدم البرنامج مما اضطر لمغادرة مصر ووقف برنامجه الذي تابعه عشرات الملايين.
برامج باسم يوسف وأحمد البشير سبقها الكثير من الأعمال العالمية التي تتجاوز في سخريتها أضعاف ما يُقَدم في عالمنا العربي من أمور حساسة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك البرنامج البريطاني الساخر “صورة طبق الأصل” (Spitting Image) الذي يتم فيه استعراض السياسة المحلية وحتى العالمية بمختصر فكاهي يتجاوز كل “الخطوط الحمراء”‎ و “تيجان الرؤوس” بالمصطلح العراقي، بما فيها اليزابيث الثانية، ليس فقط بصفتها ملكة بريطانيا العظمى التي لا تغيب الشمس عن سلطانها، بل حتى بصفتها رئيسة لكنيسة إنكلترا. كما لم يسلم من البرنامج بابا الفاتيكان نفسه، فضلاً عن كل القيادات السياسة في المملكة. أما جون ستيوارت مقدم البرنامج الامريكي “العَرض اليومي” (The Daily Show) فيُعتبر الأب الروحي للبرامج السياسية الساخرة (Political Satire) التي ينتظرها مئات الملايين حول العالم، بل تجد أن كل السياسيين الذين ينال منهم مقدم البرنامج يستقتلون للظهور في برنامجه، حتى الرئيس الامريكي. كل هذا، ولم يتهمم العالم الغربي بالمؤامرة.
عوداً الى “البشير شو”، فالبرنامج يركز على محاربة الطائفية والعنصرية وسوء الأداء لمن يتصدى للمسؤولية في المهنة والعمل السياسي، فهو يركز على رصد التصرفات والمواقف بحرفية ودقة فائقة لينقلها الى الجمهور، وهذه أجدها ظاهرة صحية، لأنها تمنح صاحب الحالة (محل النقد) فرصة لقراءة الرأي الاخر في ترجمة أدائه، لمراجعة موقفه وأسلوبه.
على المستوى الشخصي، أحمد البشير هو نتاج بيئة قاسية ومجتمع متطرف وبلد عانى ما لم يعانيه أي بلد، لكنه الضد النوعي لكل حالة سيئة يحاول من خلال برنامجه وكفاءته معالجة الواقع، وقد تحدث بها هو نفسه في لقاءات عدّة من باب نقد الذات، وكيف جعل من ماضيه الدافع الرئيس لعملية التغيير من خلال الكوميديا. أما اتهامه بالمؤامرة ومن يقف وراءه … إلخ، فأجدها لا تخدم العمل الديمقراطي في العراق الذي ما زال يحبو أولى خطواته في تقبل حرية التعبير دون دفع الثمن باهظاً.
برامج جون ستيوارت وباسم يوسف وأحمد البشير ليست مؤامرة. هؤلاء طاقات فريدة جعلت من مأساتنا نكتة ننتظرها بفارغ الصبر لتصحيح الأداء. ومن هذا المنطلق، أحيّي من يرى نفسه رمزاً على تقاربه مع الإعلامي الناقد وتقبله الرأي الآخر ليكون بذلك مثلاً يُقتدى به على مسار الديمقراطية وبناء عراق مزدهر يسع الجميع. كما أرجو أن يجد “البشير شو” وأمثاله موقعه الطبيعي في العاصمة بغداد وليس خارج الحدود، دون أي موانع حكومية أو قيود دينية أو تهديدات عشائرية تكبت المتنفس الوحيد للإنسانية، الا وهو حرية التعبير عن الرأي. لو كنت رئيساً للوزراء، لاجتهدت أن أكون ضيفاً على “البشير شو” في أول حلقة يُعاد بثها من العاصمة بغداد وعلى قناة “العراقية”، دون شروط مسبقة.